حقوقيون يطالبون بعقد اجتماعي لإنصاف ضحايا التعذيب في البحرين
![]()
في الندوة التي استضافتها «الوسط» بمناسبة يوم 26 يونيو
مطالبات للحكومة بتعويض وتأهيل ضحايا التعذيب... والأهالي يدعون «تحالف الحقيقة» للتعاون مع «مؤسسة الحقوق»
الوسط - أماني المسقطي
طالبت فعاليات وطنية بسرعة مبادرة الحكومة لتعويض وتأهيل ضحايا التعذيب وأهاليهم، معتبرين أن التعويض المادي لا يكفي لتعويض ضحايا التعذيب، وأنه على الحكومة أن تعترف بخطئها في التعذيب، وإزالة المعذبين من مواقع مسئوليتهم. كما طالب أهالي ضحايا التعذيب، بتعاون التحالف الوطني من أجل الحقيقة والإنصاف والمصالحة والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان من أجل حلحلة ملف ضحايا التعذيب.
جاء ذلك خلال الندوة التي استضافتها «الوسط» بمناسبة اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، والذي يصادف يوم 26 يونيو/ حزيران من كل عام.
وشارك في الندوة، رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان سلمان كمال الدين، والناطق الإعلامي باسم التحالف من أجل الحقيقة والإنصاف والمصالحة عبدالغني الخنجر، وشقيق الشهيد محمد مدن، عبدالله مدن، وأحد ضحايا التعذيب - رفض الكشف عن هويته - (ج. م.).
وفيما يأتي النقاشات التي دارت خلال الندوة:
كم عدد الملفات التي بحوزة التحالف الوطني من أجل الحقيقة والإنصاف والمصالحة عن ضحايا التعذيب؟ وما هي المراحل التي تغطيها هذه الملفات؟
- الخنجر: التحالف لم يتسلم كل الملفات المعنية بضحايا التعذيب، وإنما كل جهة لديها ملفاتها، كجمعيتي الوفاق ووعد والجمعية البحرينية لحقوق الإنسان، وكذلك في لجنة شهداء وضحايا التعذيب لدينا ملفات كثيرة.
والمفترض أن هيئة الحقيقة والإنصاف هي المعنية بتسلم جميع هذه الملفات، وهي للتو اكتملت من إعداد لائحتها الداخلية، وعندما تباشر عملها بحسب رؤيتها ستباشر بجمع الملفات.
هذا يعني أن التحالف لم يقم بحصر أعداد ضحايا التعذيب حتى الآن؟
- الخنجر: لا لم نحصر الملفات، وإنما رؤيتنا بشأن ضحايا التعذيب بنيناها على نوع الانتهاكات التي مورست ضدهم.
وما هي أنواع هذه الانتهاكات التي رصدتموها؟
- الخنجر: خرجنا بنحو 15 نوعا من الانتهاكات، أقصاها القتل بالقانون أو تحت التعذيب والاعتقال التعسفي والحرمان من الوظيفة أو الجنسية أو الحقوق المدنية، وهذه الانتهاكات غطت المرحلة بين عامين 1974 و2000، وتم تصنيفها بحسب جسامة الانتهاك.
هذا يعني أن التحالف وهيئة الإنصاف والمصالحة لم يقدما أي شيء ملموس لضحايا التعذيب...
- الخنجر: هيئة الحقيقة تشكلت في ديسمبر/ كانون الأول الماضي فقط، وهي تضم 11 من أعضاء التحالف، بناء على ترشيحات الجهات التي يمثلونها.
والرؤية التي وضعناها لعمل الهيئة، مازالت في طور الدراسة، ولم ننطلق بالعمل فيها بشكل مباشر، ومن المفترض أن نبدأ العمل بها خلال الفترة الحالية.
أما بالنسبة لوضع ضحايا التعذيب، فليس من مهمات هيئة الحقيقة والمصالحة أن تباشر مع الضحايا وتغير من مواقعهم، وإنما هي عبارة عن هيئة لتدوين الحقيقة وتكوين الذاكرة الأليمة، والوقوف على بعض القضايا الحقوقية التي تمت في الانتهاكات السابقة والتي يمكن من خلال جمع الوثائق والشهود أن نبرز جانبا منها.
كيف تقيمون خطوات مؤسسات المجتمع المدني أعضاء التحالف باتجاه حلحلة ملف الإنصاف والمصالحة؟
- كمال الدين: ما قام به التحالف هو عين الصواب، وتأسيسه يؤصل الجانب المهني والحقوقي في معالجة هذا الملف المؤلم والذي يعتبر من أخطر الملفات. وفي تصوري، أن أعضاء التحالف اختاروا هذا الطريق، وهو ليس نكئاً للجرح من أجل زيادة الألم، وإنما من أجل علاجه.
لأننا نحتاج إلى توثيق ضحايا التعذيب، باعتبار أن هناك من يدعي التعذيب في حين أنه في واقع الأمر لم يتعرض له، وبالتالي يجب أن يأخذ التحالف هذا الأمر بالاعتبار في توثيقه للملفات. كما أن الكثير من ضحايا التعذيب مازالوا يعانون حتى اليوم، ليس بالضرورة أن الآثار الجسمية التي تزول بمرور الوقت، ولكن المؤثرات النفسية التي يعاني منها ضحايا التعذيب مستمرة.
ونأمل من أعضاء التحالف من أجل الحقيقة أن يستفيدوا من تجربة المغرب في هذا المجال باعتبارها تجربة ثرية، والبحث أيضاً عن أفق توافقي من أجل حل هذا الملف، لأنه في نهاية الأمر لا الهيئة تستطيع أن تقوم بهذا العمل لوحدها بعيدة عن الأطراف المعنية، ولا الأطراف المعنية تستطيع أن تقدم حلولا فورية إلى أهالي الضحايا بمفردها، وباعتقادي أنه بتعاون الجميع واستخدام وسائل الإعلام، يمكن أن تتم حلحلة هذا الملف.
- مدن: كأهالي لضحايا التعذيب، لم نر شيئاً ملموساً حتى الآن، صحيح أن ممثلين عن جمعية الوفاق الوطني الإسلامية يتواصلون معنا بين فترة وأخرى، إلا أن كل ما يستطيعون تقديمه لنا هو الوعود.
وما هي مطالبكم التي تأملون أن تعمل مؤسسات المجتمع المدني على المساهمة في حلها؟
- مدن: أخي هو الشهيد الوحيد الذي مازال قبره مجهولا، وكنت الشاهد الوحيد على دفنه في العام 1981، ولم تتم معرفة موقع قبره لاحقاً، لأنه حوصر لمدة أسبوعين، وفرضت عليها رقابة لمدة شهرين، وبالتالي ضاع موقع القبر وضاعت القضية.
هل حاولتم مراجعة الجهات الرسمية بهذا الشأن؟
- مدن: في تلك الأثناء لم يكن هنا مجال لذلك، إذ إنه في تلك الفترة كان الاعتقال يتم لمجرد حيازة كتاب معين غير مسموح به. وأخي تم إلقاء القبض عليه عصراً، وفوجئنا في فجر اليوم التالي بإبلاغنا باستشهاد أخي، وتم أخذي ووالدي لنشهد دفنه، وحين توجهنا لمقبرة البسيتين كان القبر محفورا، وأغمي على والدي فور رؤيته القبر، قبل أن يتم دفن أخي، الذي مازلنا نجهل مكان قبره حتى الآن.
- (ج. م.): بالنسبة لي حاولت اللجوء لمؤسسات المجتمع المدني بعدما تم الإفراج عني بعد نحو 5 أعوام قضيتها في السجن، إلا أن الردود في هذا المجال كانت دائماً سلبية، كما أن صدور قانون 56 تسبب في إحباطنا بأن يتم إنصافنا كضحايا تعذيب.
كيف تم التعامل معك فترة إيقافك؟
- (ج.م.): تم اعتقالي في العام 1994، بعد أن تم تفتيش منزلي من قبل قوات الأمن، الذين صادروا أوراقا كانت بحوزتي تطالب بإعادة الحياة البرلمانية للبلد.
وتم إيقافي لمدة عامين ونصف العام من دون محاكمة، وذلك على خلفية «قضية الماراثون»، ثم تقديمي إلى محاكمة جديدة بتهمة التدرب على السلاح بنية قلب نظام الحكم، وحينها لم يكن مضى على عقد قراني سوى شهر ونصف الشهر.
وإبان اعتقالي تم تعليقي لعدة أيام لإجباري على الاعتراف بالتهم الموجهة إليَّ، وهو ما اضطرني للإقرار بأني شاركت فيما يعرف بـ «سباق الماراثون». وبعدها تم نقلي إلى سجن المنامة وبقيت فيه عدة أشهر. وكانت الوسيلة الوحيدة للتعبير عن مطالبنا في السجن هي الإضراب عن الطعام، وتم على إثر ذلك أخذنا جميعاً في زنزانة لا تسع سوى ثلاثة أشخاص في حين كان عددنا 9 أشخاص، ولا يتم السماح لنا فيها بدخول دورة المياه سوى لثلاث مرات في اليوم. وكنا نسمع أصوات تعذيب الموقوفين في زنزانات أخرى ليل نهار.
كما تمت إعادة توقيفي في مبنى التحقيقات الجنائية بعد الإفراج عني لمدة سبعة أشهر، حاولت خلالها الوصول إلى المسئولين لأعلم التهمة الموجهة إلي، وخصوصا أن فترة حكمي انتهت، وطلبت من المسئولين نقلي إلى سجن جو، لأننا كنا نتلقى معاملة سيئة جداً في التحقيقات الجنائية، وبقيت هناك إلى أن انقضت الـ7 أشهر، وتم الإفراج عني في عهد جلالة الملك.
لماذا لم تتقدم لجنة شهداء وضحايا التعذيب بطلب ترخيص رسمي لتشكيلها، وخصوصاً أن عدم التسجيل ربما يكون عائقاً أمام المفاوضات التي يمكن أن تتم بين اللجنة والحكومة لحلحلة ملف ضحايا التعذيب، وهو المبرر نفسه الذي ساقته الحكومة في ردها على تقرير لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة؟
- الخنجر: بحسب ما عودتنا الحكومة أنها بدلاً من أن تواجه المشكلة تتهرب منها إلى الأمام، ورد الحكومة على لجنة مناهضة التعذيب في هذا الشأن كان إنشائيا.
فنحن نمثل شريحة كبيرة من الضحايا، ونمتلك ملفات كبيرة دوناها في نحو 8 آلاف وثيقة، وهناك أكثر من 22 ضحية امرأة دوَّنَّ معاناتهن بشكل دقيق جداً، بخلاف الملفات الأخرى التي دوناها بشكل تفصيلي.
كما أن لجنتنا شاركت في مناقشة تقرير البحرين أمام لجنة مناهضة التعذيب في العام 2005 بجنيف، وكانت معها عريضة ضد قانون 56 موقعة من قبل 33 ألف مواطن، وهذه العريضة نفسها سلمناها لأعضاء مجلس النواب الذين سلموها للديوان الملكي.
وهذا يؤكد أننا تعاطينا مع البرلمان، ونتعاطى مع الجهات الحكومية التي اتصلت بنا أكثر من مرة، وجلسنا مع عدد من مسئوليها، إلا أن ما يؤسف له أن خلفياتهم أمنية، وتعاملوا معنا بطريقة الجزرة والعصا، وخيرونا بين إيقاف التظاهرات وفعالياتنا الشعبية أو ملاحقتنا.
كما أن الحكومة لم تقدم عرضا يقنع الضحايا لرفع معاناتهم، وحتى العرض الذي تم تقديمه للشيخ حسين النجاتي بتقديم مبالغ مالية للضحايا، لم يحتو على أي تفاصيل بشأن آلية تقديم الأموال للناس، وما إذا كانت هناك معايير دولية في التعاطي مع التعويض.
أما بشأن عدم حصولنا على ترخيص، فذلك يعود إلى أن الكثير من أهدافنا كلجنة لا تتوافق مع شروط تسجيل اللجنة، لأن القانون سيحد حينها من عملنا الشعبي، وخصوصاً أننا ركزنا من خلال الملف على 3 مراحل، الأولى توثيق الانتهاكات ولملمة شمل الضحايا، والثانية المطالبة بالتعويض وجبر الضرر ومحاسبة مرتكبي الجريمة، أما المرحلة الثالثة فاتجهنا لتحديد بعض الأمور المهمة، ومن بينها تحديد 26 يونيو كيوم للضحايا، إضافة إلى مسيرة 17 ديسمبر/ كانون الأول من كل عام، ناهيك عن مشاركاتنا أمام الأمم المتحدة في كل مناسبة تتعلق بالتعذيب.
ويجب الإشارة إلى أن الجمعيات تواصلت مع الأهالي، ولكن الأهالي لا شيء يجمعهم ككيان واحد لتحديد خياراتهم بشأن التعويض، فهناك أهالي لا يقبلون بالتعويض وإنما يطالبون بمحاسبة المعذبين.
- مدن: عُرض علينا التعويض المادي منذ بداية الأمر، وهو أمر رفضناه برمته، وإنما نصر على معرفة القبر الذي دُفن فيه أخي، لأن ذلك فقط يخفف الأزمة، وهذا أمر غير مستحيل، وخصوصاً أن من دفنوه مازالوا أحياء يرزقون.
- (ج.م.): ما نريده أن تكون هناك محاكمة عادلة لجميع المعذبين، وهو الأمر البديهي الذي يجب أن يحدث في دولة المؤسسات والقانون.
- كمال الدين: منذ أن كنا في الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان وفي أول لقاء لنا مع جلالة الملك، طرح هذا الموضوع، كما طُرح في لقاء بُث على تلفزيون البحرين. ويجب التأكيد أن العدالة الانتقالية والتعذيب لا يسقطان بالتقادم، ولكن ذلك لا يعني ألا نؤسس إلى أمر توافقي، باعتبار أنه لا يمكن لمؤسسات المجتمع المدني أن تعمل منفردة وتطرح رؤية أحادية، ولا الحكومة يجب أن تطرح هذه الرؤية، وإنما أن تكون هناك مقترحات من مؤسسات المجتمع المدني والحكومة، وأن تجلس جميع الأطراف من أجل الخروج بصيغة متفق عليها، مع الاقتداء بتجربة المغرب في هذا المجال.
كما أني كنت أحد ضحايا التعذيب والانتهاكات ولأعوام طويلة، ولكنني لا يعنيني التعويض المادي قدر أن أرى الانتصاف للعدالة والحق، وإذا كانت المشكلة مادية، فأنا أعتقد بأن الكثيرين يتنازلون، ويمكن أن يتنازلوا ويقولوا إنه لا يهمهم التعويض المادي، وإنما ينشدون العدالة والحقيقة. وإلا فإنه من غير المعقول أن أهالي الشهيد مدن لا يعلمون موقع قبر ابنهم ونحن اليوم في العام 2010.
وفي تصوري أيضاً أننا قصرنا في هذا الملف، وأعني هنا مؤسسات المجتمع المدني وبالذات الجمعيات السياسية منها، فالجمعية البحرينية لحقوق الإنسان أنشأت لجنة طبية من أطباء واجتماعيين مؤهلين، ثم أخذنا ترخيصا لإنشاء مركز الكرامة، وحصلنا على تصريح رسمي من وزارة الصحة لإنشائه. وفي أحد اللقاءات مع سمو رئيس الوزراء، طرحنا مسألة معالجة الضحايا عبر المؤسسات الحكومية بغرض الحصول على إثباتات وتقارير طبية تثبت هذه الحالات، وحتى نجعل هذا المتضرر الذي يشعر يومياً بالألم والحسرة ويعاني المجتمع المحيط به وأهاليه، أكثر استقراراً.
وفي المغرب، كان الملف في أيدي السياسيين، إلا أنه حين أعطي للحقوقيين تم حله بسلاسة وبشكل جديد، فلماذا لا نستفيد من تجربة المغرب في هذا المجال؟ وأن يتم توثيق الحالات بشكل جيد، ويكون هناك تعاون بين جميع الأطراف التي تسعى إلى الانتصاف للضحايا، فهل نحن نريد استخدام هؤلاء الضحايا ورقة ضغط سياسي أو مساومات أم نريد أن ننتصر لهؤلاء الضحايا؟ وأود أن أؤكد أننا في المؤسسة الوطنية لن نتغير وسنبقى أمناء على الرسالة الإنسانية، وأي ملف حقوقي نستطيع أن نتعاون فيه مع المؤسسات الأخرى، فلن نتردد في ذلك.
الحكومة ردت على إحدى توصيات لجنة مناهضة التعذيب بأن «باب المطالبة بالتعويض المدني لم يطرق قضائيا بواسطة من يدعون أنهم تعرضوا للتعذيب»، فلماذا لم تقوموا برفع دعاوى قضائية؟
- مدن: العمل الفردي في هذا المجال لا يمكن أن يتحقق.
- الخنجر: التحالف اتفق مع الناطق باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان هيثم مناع ونائب مدير قسم الشرق الأوسط في منظمة «هيومان رايتس ووتش» جو ستورك على تشكيل جبهة لرفع دعاوى ضد المتهمين بالتعذيب.
وكنا نرفض طرح قضايا ضحايا التعذيب في المحاكم المدنية لأن إجراءاتها مختلفة وتطول، ولكن هناك ثماني قضايا جنائية تم رفعها قبل أعوام إلا أنها رفضت جميعاً. ولذلك قررنا تشكيل تحالف لرفع الدعاوى في الداخل والخارج، ونعمل على استكمال الملفات لرفع دعاوى مدنية ضد بعض المحققين المتهمين بالتعذيب.
كما أننا في لجنة ضحايا التعذيب، رفعنا دعاوى في اسكوتلنديارد ضد عدد من المعذبين في أغسطس/ آب الماضي، إضافة إلى دعاوى حديثة في بريطانيا مازالت إجراءاتها مستمرة.
هل سيكون ملف العدالة الانتقالية من أولويات عملكم في المؤسسة؟
- كمال الدين: الأولويات تعني أن نضع ملفات، ولكننا نريد أن نتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني، ويمكن بالتشاور أن نقول إن هذا الملف نضج وجهزناه، ونبدأ بالعمل وفق رؤية مشتركة، ونضع آلية للعمل مع جميع الأطراف، إذ من غير المعقول أنه بعد عشرة أعوام، مازال الناس يتألمون ولا علاج يتوافر لهم لا في الداخل ولا الخارج، وهذا يعني أننا أسهمنا في إدامة الألم لبعض العائلات.
- المغني: لجنة مناهضة التعذيب أصدرت توصيات مهمة في العام 2005، فيجب على المؤسسة أن تسعى إلى تنفيذها، ومن ضمنها إعادة التأهيل والتعويضات المجزية وتعديل قانون 56 بحيث لا يشمل العفو عن المعذبين، والتحقيق في إجراءات التعذيب. وهذه التوصيات تنصلت الحكومة من تنفيذها وتأخرت عن تسليم تقريرها الدوري للجنة منذ أربعة أعوام، كما أنه وعلى رغم أن الحكومة يجب أن تقدم تقريرا دوريا في إجراءاتها للحد من التعذيب، فإنها لم تقدم تقريراً منذ العام 2005، كما أنها لم تنفذ التوصيات، على رغم مطالباتنا المستمرة بتنفيذها.
نعم، نحن نشيد بمركز الكرامة وبدوره، ولكن مسئولية إعادة تأهيل الضحايا يجب أن تقع على عاتق الدولة، وخصوصاً أن هناك ضحايا لديهم عاهات مستديمة.
وفي لجنة ضحايا التعذيب، قمنا بتصوير فيلم بعنوان «عين شاهدة» لشباب فقدوا عيونهم بسبب استخدام الأمن لسلاح الشوزن في فترة التسعينيات، فهناك أكثر من 20 شابا وشابة واحدة فقدوا عيونهم، وتأهيلهم وتعويضهم لن يستطيع أن يقوم به مركز مثل مركز الكرامة، وإنما الدولة هي المسئولة بإعادة التأهيل لكونها المسئولة عن التحقيق في قضايا التعذيب بحسب المواثيق التي وقعت عليه. ونحن إذ نشيد بتجربة المغرب، إلا أن السياسيين ليسوا بالضرورة هم من عرقلوا الملف.
ونحن كجهات حقوقية طرقنا أكثر من طريق للسلطة، إلا أنها تصد الأبواب أمام الضحايا ولا تريد أن تعترف بهذا الملف بشكل علني، إذ إنها من الممكن أن تقوم بتسويات خارج الاعتراف بأن هناك ضحايا تعذيب من أجل المطالب الوطنية. نحن مستعدون للتعاون مع الدولة إذا كانت ستعترف وتعالج الضحايا وتعوض الأهالي، ولكن الحكومة لا تبادر بذلك.
في حال لم تعترف الحكومة بالخطأ تجاه ضحايا التعذيب، ولكنها عرضت تعويضهم، فهل سترفضون؟
- الخنجر: كتحالف قرارنا واضح بأن كل ضحية تعذيب يمكن أن يلجأ للقرار الذي يراه مناسبا، فهذا حقه الشخصي، ونحن لا نحجر على أحد في ذلك. ولو قالت الحكومة إنها ستعوض الضحايا، لا نستطيع أن نقول للضحايا ارفضوا التعويض وإنما العكس، لأن بعض الضحايا ماتوا من دون أن يتم إنصافهم، وبعضهم خرجوا من السجن وفقدوا أعمالهم، وبعضهم توفوا من دون أن يتم تعويضهم.
ولكننا في الوقت نفسه لدينا رؤيتنا ضمن المعايير الدولية وضمن تجارب الدول السابقة في حل هذا الملف.
- (ج. م.): باعتقادي أن تعويض الحكومة هو اعتراف ضمني منها بأنها وقعت في الخطأ، وإلا ما دليل التعويض؟
- مدن: الواقع يفرض أن يكون هناك تنازل، وإلا سيتم الملف عالقاً مدى الحياة ولن ينتهي، ولكننا ليس لدينا أمل أن تبادر الحكومة لتعويضنا، وخصوصاً أنها لم تقدم على هذه الخطوة منذ عقود مضت.
- الخنجر: هناك معضلة في عدم حل الملف بالمعايير الدولية الصحيحة وبما يضمن توافق غالبية الأطراف، وهو ما يؤسس لتكرار التعذيب، واستمرار تحقيق ضباط أمن الدولة السابقين في القضايا الحالية، يسبب لنا ردة فعل سلبية وإحباطاً لأن من ارتكبوا ضحايا التعذيب مازالوا مستمرين ويباشرون عملهم.
بينما في حل الملف بالطرق الحقوقية السليمة، يمنع التكرار لأنه يبعد المتورطين عن موقع القرار والتنفيذ لضمان عدم تعريض المواطنين للتعذيب، وحتى لا تكون هناك قصص تعذيب جديدة وتقرير بحجم تقرير «هيومن رايتس ووتش».
هل صحيح أن الجمعيات السياسية رفضت تسليم ملفات التعذيب لأغراض سياسية؟
- الخنجر: هناك أمور تفصيلية في هذا الموضوع، فنحن تسلمنا الملف منذ أكثر من ستة أعوام، وهذه الملفات التي تعود للضحايا القديمين تسلمناها من جمعية الوفاق، ولكن حين شُكل «التحالف» منذ ثلاثة أعوام أخذ دورا كبيرا في العمل، وخصوصاً أن معظم الضحايا هم كوادر في جمعيات سياسية، وهذه الجمعيات دورها فاعل في المجتمع، ولا يمكن إبعادها تماماً عن هذا الملف.
ولذلك حين أثير اقتراح بتعويض ضحايا الإرهاب في النواب، لجأنا لكتلة الوفاق وطرحنا عليهم رؤيتنا، وصاغوا بدورهم اقتراحا برغبة لم تتم الموافقة عليه، وبالتالي نحن شركاء مع الجمعيات السياسية في العمل، ونطرح العمل بشكل حقوقي، ولكن ليس من الإنصاف أن نبعدهم عن مثل هذا الملف الحساس والمهم.
- كمال الدين: السياسي قد يكون اليوم ضد لحكومة وغداً في صفها، بخلاف الحقوقي الذي يجب أن يكون محايدا، فإذا قامت الحكومة بشيء جيد عليه أن يشيد به، وإذا كان هناك انتهاك يجب أن يقف ضده بشدة ضميره.
لو طلبت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان الحصول على ملفات ضحايا التعذيب، فهل ستزودونها بها؟
- الخنجر: هناك موقف سابق للتحالف من تأسيس المؤسسة, وعبرنا عنه من قبل ويتعلق بآلية تكوين المؤسسة وتوافقها مع مبادئ باريس، وألا تكون الشخصيات الموجودة في المؤسسة محسوبة على الحكومة. إلا أن النتائج سببت خيبة أمل، صحيح أن المؤسسة ضمت شخصيات مهمة لها تاريخها الحقوقي، ولكن هناك شخصيات كثيرة مدعومة من الحكومة لها ملفات سلبية على صعيد ملف حقوق الإنسان، وهناك شخصيات تنتمي لجمعيات «الغونغو» التي أسست أساساً لضرب تحركات الحقوقيين.
وكتحالف سنأخذ قريباً قرارا جماعيا وتوافقيا بشأن ما إذا كنا سنتعاون مع المؤسسة أم لا في حال لجأت إلينا.
- مدن: نحن نطالب مؤسسات المجتمع المدني بالتواصل مع المؤسسة، ولو مبدئياً، لأنه من غير المعقول أن نظل طوال الحياة من دون حل.
- (ج.م.): هذا الملف يحتاج إلى أناس صادقين لمعالجته... وللأسف تعودنا ألا نثق في أي مشروع من الحكومة، ولا ندري كيف ستتعامل المؤسسة مع ملف ضحايا التعذيب.
يبدو أنه أمام المؤسسة الوطنية مهمة صعبة لكسب ثقة الناس فيها...
- كمال الدين: من حق الآخرين أن يطرحوا هواجسهم، وربما لا يأتي الأفضل في بدايات العمل، ولكن يجب ألا يكون الحكم مسبقا، وإذا كانت هذه الجهة أدت دورا وأضاءت على لبنات مفاهيم حقوق الإنسان واحترامها، فلماذا لا يتم التعاون معها؟ أما إذا وجدوها بأنها تأتي للتلميع فقط، فلكل حادث حديث، ولكن الحكم على كل الشخوص والمشروع بقسوة فإن فيه إجحافا، ويذكرني بأيام أمن الدولة حين كان وزير الداخلية إذا شك بأن أي شخص خطر على أمن الدولة، جاز له الاحتفاظ به لثلاثة أعوام. إن هذا الأسلوب هو محاكمة على النوايا.
ولكن حين نقطع الحبال، فكيف يمكن أن نواجه الشخص الذي خدم وبذل جهده بعد تشويه سمعته، ثم لماذا تتم المحاكمة على النوايا؟
وأؤكد أنه فور إرساء قواعد بناء المؤسسة سنمد أيادينا لجميع مؤسسات المجتمع المدني، مثلما نمد يدنا للحكومة، لأننا نعتبر أنفسنا مستقلين.
- مدن: هل توثقون قضايا الانتهاكات اليومية، وخصوصاً تلك التي تُنشر في صحيفة «الوسط»؟
- كمال الدين: نعم نعتمدها جميعاً، كل شيء موثق، ولكن ندعو الجميع إلى عدم التأخر في الإبلاغ عن أي حدث.
الجمعيات الحقوقية كانت دائماً تطالب بقانون لتجريم التعذيب، فهل المشكلة هي في عدم وجود قانون يجرم التعذيب أو عدم تنفيذ القانون؟
- كمال الدين: الدستور يمنع التعذيب، ولكن لم يصدر قانون بتجريمه، وعدم وجود القانون يتيح لمن يريد أن يمارس جريمة التعذيب بحرية.
هل ستدفعون في المؤسسة باتجاه المطالبة بإصدار قانون يجرم التعذيب؟
- كمال الدين: مازلنا بصدد وضع الاستراتيجية الوطنية للمؤسسة، ولكننا سنسعى إلى المساهمة مع الدولة ومؤسسات المجتمع والبرلمان من أجل تعديل القوانين المخالفة للاتفاقيات الدولية التي وقعت وصادقت عليها مملكة البحرين ورفع التحفظات على بعضها، ومحاولة الدخول في شراكة من أجل دراسة أي قانون للتأكد من ملاءمته للاتفاقيات الدولية، ونتمنى أن تكون مؤسسات المجتمع المدني الحقوقية شريكا أساسيا في عملنا هذا.
- الخنجر: نحن بحاجة إلى قانون يجرم التعذيب، ووزارة الداخلية بين الفينة والأخرى تقول إنها حققت في شكاوى تعذيب موجهة ضد بعض عناصرها، ولكننا لا نعرف مصير هذا التحقيق، لأنه ليس هناك قانون واضح في هذا الشأن، وهذا المطلب كان صريحا بتعريف التعذيب وتجريمه بما يتواءم مع اتفاقية مناهضة التعذيب.
أحد ضحايا التعذيب يروي لـ «الوسط»: الفيلقة والضرب المبرح والجلد كانت وجباتي اليومية لـ 6 أعوام
كان (س.ع.) لستة أعوام قضاها في السجن يتعرض إلى وجبات يومية من التعذيب، تنوعت ما بين التعذيب بالفيلقة (التعليق بين كرسيين أو طاولتين مع وضع قضيب خشبي تحت الركبتين في وضع الثني بينما اليدان والرسغان مربوطان بكاحل القدمين) والجلد والضرب على الوجه وباستخدام الأهواز، وهي الفترة التي يحاول (س.ع.) نسيانها، إلا أن آثارها الواضحة على ذراعه، مازالت تذكره كل يوم بما تعرض له من تعذيب على مدى ستة أعوام.
وقال (س. ع.) مستذكراً معاناته في السجن: «تم اعتقالي للمرة الأولى في العام 1986، حين كان عمري لا يتجاوز 18 عاما، بعد أن هاجموا بيتي وقاموا بتفتيشه، وعلى الفور تم تعريضي للتعذيب حتى قبل أن أعرف ما هي تهمتي».
وأضاف «عرفت لاحقاً أن تهمتي هي الانضمام للجبهة الإسلامية، ولم أكن أعرف حينها أصلاً ما هي الجبهة، واتهموني بأنه تم تجنيدي وطالبوني بالتوقيع على اعترافي بتجنيدي من قبل الجبهة».
وأكد (س.ع.) أنه تم تعذيبه بالفيلقة لعدة ساعات متواصلة، ناهيك عن ضربه بشدة على ذراعه، وهي الآثار التي مازالت ظاهرة على ذراعه على رغم مضي أكثر من عشرين عاماً على وقوعها.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أن (س.ع.) أكد أنه تم وضعه في سجن انفرادي مصمد العينين، وفي منتصف ليل إحدى الليالي تعرض لضرب شديد على عينه اليسرى، والتي ظلت محمَرة لمدة أربعة أشهر.
وقال: «كنت موقوفاً في أحد مراكز المنطقة الوسطى، ولم يكن أحد من أهلي يعلم بمكاني، وطلبت أخذي إلى المستشفى لعلاج عيني التي لم أكن أبصر منها لأشهر، إلا أن طلبي قوبل بالرفض».
وتابع «بقيت لمدة عام كامل في سجن انفرادي، وبعد ذلك تم أخذي إلى سجن القلعة. وأثناء عرضنا أنا وبقية المعتقلين على قاضي المحكمة، لم يتم السماح لنا بالكلام أو الدفاع عن أنفسنا، بل إن إفادات اعترافنا تكون عادة جاهزة فور وصولنا إلى المحكمة، ويتم إجبارنا بالتوقيع عليها. وفي إحدى المرات رفضت التوقيع على الإفادة قبل عرضي على قاضي التحقيق، وحين دخلت تلا على مسامعي الاتهامات، ولكني فندتها كلها، إذ اتهموني بالمشاركة في إحدى الفعاليات التي كانت تحرض على كراهية النظام وقلب نظام الحكم، وأكدت للقاضي أن كل ما أفعله هو المشاركة في الفعاليات الحسينية، وأن الفعالية التي أشاروا إليها لم تكن إلا رحلة عادية لمجموعة من الشباب».
وأكد (س.ع.) أنه بعد رفضه التوقيع على الإفادة، قام رجال الأمن بضربه أمام القاضي لإجباره بالتوقيع عليها، واستمرت وجبات التعذيب والتهديد بسلخ جلده وكسر عظامه وقلع أظفاره في حال استمرار رفضه التوقيع على الإفادة، ما اضطره لاحقاً للاعتراف بما ورد في الإفادة حين تم عرضه على قاضٍ آخر.
وكان هذا الاعتراف بداية ثلاثة أعوام قضاها (س.ع.) في السجن، تعرض خلالها عدة مرات لوجبات تعذيب نفسي وجسدي، وتهديد بالقتل، على حد قوله.
وبعد أن قضى ثلاثة أعوام في السجن، خرج (س. ع.) إلى الحياة، محاولاً فتح صفحة جديدة لم يهنأ بها طويلاً، ففي العام 1996، وبعد انتهائه من الصلاة في أحد المساجد الذي لا يبعد سوى خطوات عن بيته في المنامة، أكد (س.ع.) أنه مع المصلين الآخرين فوجئوا بهجوم شنته قوات الشغب على المسجد، فما كان منه إلا أن هرب مع من حاول الهرب من المصلين، إلا أن المنطقة ظلت محاصرة إلى أن انتصف الليل.
في اليوم التالي علم (س.ع.) أنه على إثر هجوم قوات الشغب على المسجد، قام مجموعة من الشباب بضرب أحد عناصر المخابرات، الذي شاءت الصدف أن يسقط أمام باب منزل (س.ع.)، الأمر الذي حدا بقوات الأمن لمهاجمة المنزل بحثاً عنه.
وأكد (س.ع.) أنه حاول التخفي لعدة أشهر، كانت قوات الأمن خلالها تهاجم منازل أشقائه في كل يوم، إلى أن اعتقلوا 5 من إخوته رهينة لديهم حتى يتم اعتقاله، وعرضوهم خلال ذلك لتعذيب نفسي وجسدي، قبل أن يفرجوا عنهم بعد أيام من اعتقالهم.
ويستذكر (س.ع.) والدته المتوفاة التي كانت تعاني من مرض السكر، والتي تدهورت حالتها الصحية لعدم تلقيها العلاج، وهو ما أدى بعد ذلك لأن تصبح مقعدة عاجزة عن المشي.
كما أكد أن قوات الأمن كانت تبعث نساء يتخفين تحت عباءاتهن ليسألن عنه في المنزل، في محاولة منهن لاستدراج عائلته لمعرفة مكان وجوده.
وقال: «علمت قوات الأمن بمكان وجودي، فهاجموا المنزل الذي كنت أختبئ فيه في منتصف الليل، وتم اعتقالي وتعليقي وضربي في السجن من قبل نحو عشرين من رجال الأمن، الذين كانوا يضربوني بأيديهم وأرجلهم، بل أني ظللت لمدة شهر لا أرى من عيني اليسار ووجهي ينزف بشدة، وأحسست حينها أني فقدت بصري إلى الأبد».
وتابع «تفنن رجال الأمن في وجبات التعذيب التي يقدمونها لي يوميا، كما تم استخدام الأهواز في ضربي، وكانوا يقولون لي: (نحن لن نتعب من ضربك لأننا نتناوب فيما بيننا في ذلك)، كما كانوا يقومون بتكميم فمي في كل مرة يضربوني بها حتى لا يسمعوا صراخي، وكانوا يعلقوني لمدة 12 ساعة أو يوم كامل، وأحيانا كان يتم تعليقي لمدة ثلاثة إلى أربعة أيام، وينزلوني لمدة ربع ساعة فقط حتى يتحرك الدم في جسمي ليعاودوا تعليقي. وهذا التعذيب أدى إلى تورم أطرافي بشدة، ولم أكن حينها قادراً على الحراك، بل أن رجلي في إحدى المرات ومن شدة الانتفاخ، فقعت فجأة ونزفت بشدة».
وأكد (س.ع.) أن مبنى المخابرات كان يرتج من صراخ المعتقلين الذين كانوا يتعرضون للتعذيب يومياً من فترة بعد الظهر وحتى فجر اليوم التالي، وأنه يتم غلق الأنوار في المبنى بأكمله، لدرجة أن المعتقلين كانوا لا يميزون الليل من النهار.
كما أكد أن المعتقلين كانوا ممنوعين من غلق أبواب دورة المياه أثناء قضاء حاجتهم، وكان المُعذِبون وبعد أن ينتهوا من تناول طعامهم يحشون فم المعتقلين ببقايا أوراق الطعام.
واستمر (س.ع.) في سرد معاناة سجنه: «حين كنا نطلب شرب الماء، يتم سكب الماء أمامنا على الأرض، وثم يقوم رجال الأمن بمسح الأرض بنا. وفي طريقنا لغرفة التحقيق، كان رجال الأمن ينزلوننا ونحن مصمدو الأعين على السلم، وفي كل مرة كنا نسقط من أعلى السلم إلى أسفله».
خروج (س.ع.) من السجن، بعد أن قضى فيه ثلاثة أعوام أخرى، لم يتحقق إلا بعد إضرابه عن الطعام لعدة أيام. إلا أنه يقول: «مازالت آثار التعذيب بادية على يدي، وعلى رغم مضي أكثر من عشرة أعوام على خروجي من السجن، مازلت أشعر بتنميل في يدي».
وأكد (س.ع.) أن فرحته كانت منقوصة بعد خروجه من السجن، إذ إنه لم يمض أسبوع من الإفراج عنه إلا وتوفيت والدته بعد أن تدهورت حالتها الصحية نتيجة تأثرها نفسياً لاستمرار اعتقاله لأعوام واشتداد مرض السكر عليها.
ووصف مرحلة ما بعد خروجه من السجن بـ «سجن آخر»، إذ كانت محاولاته للرجوع إلى عمله السابق تواجه بالصد في كل مرة، كما أنه لم يتم تسليمه جواز سفره لمدة 6 أعوام، وهو ما كان سبباً آخر في تأخر حصوله على وظيفة.
يختتم (س.ع.) حديثه بالقول: «بعد كل المعاناة التي تعرضت لها من سجن لآخر، لا أشعر أن أي شيء يمكن أن يعوضني من سنوات عمري التي قضيتها بين السجون والبحث عن عمل يؤمن لي ولأسرتي حياة كريمة».
----
أم حوراء... قيودها كانت لعبة ابنتها الرضيعة
لم تتوقع أم حوراء أن يأتي اليوم الذي تهدي فيه ابنتها الرضيعة قيودها في السجن لتلعب بها بدلاً من أن تهديها لعبة تناسب طفلة في مثل سنها، إذ منعتها قيود السجن الذي قبعت فيه لأكثر من 130 يوماً بعد اعتقالها ثلاث مرات خلال عام واحد، من أن تشتري لعبة لطفلتها، وخصوصاً أن اعتقالها تم في الفترة نفسها التي كان زوجها معتقلاً فيها.
تمسك أم حوراء ببداية خيط قصتها وتعود بذاكرتها للوراء، مستذكرة الفترة التي تم فيها اعتقالها بعد شهرين من اعتقال زوجها في فترة التوقيع على العريضة الشعبية في العام 1995، وقبل أن تسرد قصتها لـ «الوسط» سبقها الشعور بالغبن وترقرقت الدموع في مقلتيها، وسارعت بالاعتذار عن ضعفها لأنها – كما تقول – تشعر بتعب نفسي حين تتذكر تلك الأيام التي لم تغب عن مخيلتها يوماً.
تقول أم حوراء: «كنا نعيش ظروفاً صعبة جداً بعد اعتقال زوجي، وكنت أتردد على المحكمة لتوكيل محام للدفاع عن زوجي، وفي أحد الأيام صادف وجود اعتصام نسوي بالقرب من المحكمة، وقبل أن يبدأ الاعتصام وفور نزولي من السيارة تم اعتقالي، على رغم أني أبلغتهم بغرض قدومي إلى الموقع، إلا أنهم أخذوني لمركز الحورة، وأدخلوني التحقيق وبقيت يوماً واحداً وخرجت بتعهد ألا أكرر جريمة لا علم لي بها».
واستذكرت أم حوراء أسوأ ليلة مرت عليها في حياتها: «بعد أيام من هذا الاعتقال، وتحديداً في منتصف ليل يوم 1 أبريل/ نيسان 1995، الذي عرف فيما بعد بـ(اليوم الأسود)، تم اعتقالي من البيت، وكنت أسكن فيه مع أبنائي الأربعة فقط، وكانت أكبر أبنائي عمرها 7 أعوام، وأصغرهم رضيعة لم تتجاوز العام ونصف العام من عمرها».
وأضافت «فوجئنا في تلك الليلة بتكسير باب بيتنا من قبل قوات الشغب، بطريقة لم يقوموا بها حتى عندما اعتقلوا زوجي، وحاولوا أخذي بالقوة، إلا أني رفضت أن أترك أطفالي، وبعد إلحاح مني طلبوا مني الاتصال بأختي حتى تأتي لأخذ أطفالي، ولكني رفضت، وطلبت منهم أن آخذ ابنتي الرضيعة على الأقل وأترك الباقين، إلا أنهم رفضوا ذلك، وفوجئت بهم يقتحمون منزل أحد جيراننا وأتوا به بالقوة وطلبوا منه أخذ أطفالي معه».
نقلت قوات الأمن بعد ذلك أم حوراء إلى مبنى المخابرات، إذ كانت المرأة الوحيدة هناك وسط موقوفين آخرين كان صراخهم يزلزل المبنى، ولم يشفع لها كونها امرأة من التعذيب الذي مورس على بقية المعتقلين، وإنما أكدت أنه تم تعذيبها بالضرب والإهانة والشتيمة والقذف في العرض.
وواصلت «استمر تعذيبي واستفزازي لعدة أيام، حاولوا خلالها تلفيق عدة تهم لي، وقالوا لي إن عقوبة هذه التهم لن تقل عن سبعة أعوام سجن. وبعد مرور أيام، كان خلالها القلق يقتلني على أبنائي، طلبت منهم أن يأتوني بابنتي الرضيعة على الأقل، إلا أنهم اشترطوا التوقيع على كل الاتهامات الموجهة لي بالمقابل، ولكني رفضت التوقيع».
وتابعت «استمر التحقيق معي لمدة عشرة أيام منذ الفجر وحتى منتصف الليل، وخلالها صدر أمر بجلب ابنتي، ولأنه كان ممنوع أن آخذها لسجن القلعة حيث يتم التحقيق معي هناك، كنت مجبرة على تركها مع إحدى السجينات الجنائيات في مركز مدينة عيسى، التي كانت مسجونة بتهمة قتل عشيقها. ولم يقتصر الأمر على ذلك، فكل ما كنت محرومة منه، حرمت منه ابنتي، ومنعوا عني حتى إدخال حفاظات الأطفال لابنتي».
وبعد أن ارتأت أم حوراء أن وجود ابنتها معها في السجن لن يحميها ولن تتمكن من خلاله من إرضاع ابنتها لقضائها غالبية يومها في التحقيق، طلبت من القاضي إرجاعها لعائلتها التي كانت تحتضن بقية أبنائها الأربعة، إلا أن مسئولي السجن لم يوافقوا على طلبها إلا بعد إلحاح منها.
وأكدت أم حوراء أنه في أحد الأيام، تم السماح لأختها بزيارتها، وأنه تبين لها بعد ذلك أن هذه الزيارة تم ترتيبها من قبل مسئولي الأمن في السجن، وذلك بعد ضغوط المنظمات الدولية التي أثمرت عن التحركات التي قادها أحد أقربائها - وهو ناشط سياسي معروف خارج البحرين - باتجاه المطالبة بالإفراج عنها.
وقالت: «طلب مني أحد المسئولين الأمنيين أن أنقل تهديداتهم لقريبي عبر أختي، والتي يطالبونه فيها بالكف عن تحركاته السياسية خارج البحرين، ولكني رفضت ذلك».
وبعد 60 يوماً قضتها في السجن، تم الإفراج عن أم حوراء بكفالة مالية قدرها 50 ديناراً، لاعتبارات منها أن لديها ابنة رضيعة، على حد قولها.
إلا أن معاناة أم حوراء لم تنته عند هذا الحد، ففي غضون أقل من عام، وتحديداً في يوم 29 فبراير/ شباط 1996، تعرضت للاعتقال الثالث، على طريقة المرة الثانية حين تم ترويعها وأبنائها في منتصف الليل، وكان زوجها لايزال معتقلاً.
وقالت: «في الليلة نفسها، تم اعتقال أختي أيضاً، وكان أمراً مفاجئاً بالنسبة للجميع، لأنها لم تكن تشارك في أي من الفعاليات أو المسيرات التي كانت تنظم حينها، وتم نقل كل واحدة منا لزنزانة انفرادية، وشكل الأمر صدمة بالنسبة لي، أولاً لاعتقال أختي، وثانياً لكوني كنت أعتمد عليها باحتضان أبنائي فترة اعتقالي».
وأضافت «بعد محاولات مستمرة لمعرفة أسباب اعتقالي، تم إبلاغي بأنه تم اعتقالي وفق قانون أمن الدولة الذي يسمح لوزير الداخلية بسجن من يشك أنه خطر على الأمن الوطني لمدة 3 أعوام قابلة للتجديد».
استمرت مدة الاعتقال الثالث لأم حوراء 70 يوماً، في زنزانة انفرادية، ومن دون أن يتم التحقيق معها، وهو ما أتعبها نفسياً كثيراً، إلا أن سوء حالتها النفسية استمر حتى بعد الإفراج عنها، وأصيبت بجفاف وكسل معوي نتيجة ذلك، لرفضها تناول الطعام، وهو ما أدى إلى تدهور وضعها الصحي.
خرجت أم حوراء من الاعتقال الثالث بتعهد ثالث، ومن دون عرضها على محاكمة، وإنما تمت مطالبتها بدفع مبلغ 200 دينار من دون أمر قضائي ليتم الإفراج عنها.
والآن وبعد مضي 14 عاماً على خروجها من السجن، مازالت أم حوراء تتذكر كل لحظة معاناة عاشتها في السجن، وتؤكد أنها وأبناءها الأربعة لم ولن ينسوا للحظة ما عانوه أثناء اعتقالها.
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 2850 - السبت 26 يونيو 2010م الموافق 13 رجب 1431هـ













