يوسف المحافظة*

ينهض نظام الأفضليات والامتيازات المطبق والمُمَارَس عمليا بصورة ممنهجة منذ أمد بعيد وخصوصا منذ مرحلة ما بعد الاستقلال الوطني عن بريطانيا في عام 1971، كمرجعية للسلطة الحاكمة في البحرين في صوغ وتنظيم علاقتها بالطائفة الشيعية - ينهض باعتباره أبرز وأخطر بؤر تفجر الصراعات في البحرين بصورة متكررة بين هذه الطائفة والسلطة.

فعلى أساس نظام الامتيازات هذا يتم التفريق بين الطائفتين الرئيسيتين في البحرين، الطائفة الشيعية والطائفة السنية، وزرع بذور الفرقة والغبن المُفضيين حكما للفتنة النائمة بينهما، والتي كثيرا ما تصحو وتتفجر غضبا كلما فاض بها الكيل وبلغ تراكمها الكمي مبلغ تضخم الفقاعة لحدودها القصوى.

فهنالك فيتو غير معلن على أبناء الطائفة الشيعية، يصل لحد الاستحالة بمكان قبولهم وتوظيفهم في عدد من مؤسسات وأجهزة الدولة لاسيما مؤسسة الجيش والحرس الوطني والأمن العام ودواوين الحكم وبقية المؤسسات السيادية الأخرى، فضلا عن تحديد كوتا صغيرة، غير معلنة أيضاً ولكن مطبقة بامتياز، لاستيعاب عدد محدود منهم في مؤسسات سيادية أخرى مثل وزارة الخارجية والداخلية والاعلام، وذلك على الرغم من أن هؤلاء يحملون جواز السفر نفسه الذي يحمله اخوانهم السنة، وعلى الرغم من أن القانون الأساسي للدولة الذي هو الدستور لا يشير أو حتى يشي بمثل هذا التفريق على أساس طائفي.

وما يزيد الشعور بالغبن والاضطهاد، ويراكم ويشعل أوار الغضب لدى الطائفة الشيعية، هو قيام السلطة الحاكمة باستقدام أعداد هائلة من السنة العرب وتجنيسهم واستيعابهم في مختلف المؤسسات الأمنية، المحظورة في ذات الوقت على أهل البلاد من أبناء الطائفة الشيعية.

ولم يكن أحد ليجرؤ على اثارة موضوع هذا التمييز الطائفي رغم مظاهره الواضحة البادية على قسمات مؤسسات الدولة، ابتداءً من منافذها الجوية والبحرية والبرية ذات اللون الطائفي الواحد، الفاقع والواضح، وليس انتهاءً بالتهميش الساطع للمناطق الشيعية سكانا وبنية أساسية، في تجسيد صارخ لممارسة التهميش (Marginalization) الذي تحظره كافة الأعراف والمواثيق الدولية. وكل من "تسول" له نفسه اثارة موضوع التمييز سوف يوصم فورا بالطائفية ويُتهم بتشويه صورة "مجتمع الأسرة الواحدة"!

الأحرار البيض في الولايات المتحدة الأمريكية اختاروا بمحض إرادتهم الحرة الانحياز لمطالب اخوتهم في الانسانية وشركائهم في الوطن الأمريكيين السود في الحصول على حقوقهم في المساواة والعدالة أسوة بهم.

وبدورهم فان أحرار اليهود لم يقبلوا لأنفسهم التمتع حصرا بالهناء والعيش الرغيد وكافة امتيازاته فيما هي محجوبة عنصريا عن اخوتهم في الانسانية والعيش المشترك، وهم هنا الفلسطينيون، فاختاروا تقدم الصفوف في التظاهرات المناهضة للممارسات الصهيونية العنصرية وتَلَقي الرصاص المطاطي والحي بصدورهم العارية دفاعا عن حق الفلسطينيين في المساواة والحرية.

أيضا، فان أيقونة النضال العالمي ضد العنصرية نيلسون مانديلا ورفقاءه في حزب المؤتمر الوطني الافريقي لم يكونوا عنصريون فقط لأنهم اختاروا تبني قضية أبناء جلدتهم والدفاع عن حقوقهم التي سلبها منهم نظام الفصل العنصري الذي أقامه المستعمرون البيض في جنوب افريقيا.

كما أن المناضل الأمريكي الأسود مالكوم اكس والمناضل وداعية الحقوق المدنية الأمريكي الأسود صاحب الانشودة الانسانية العالمية الذائعة الصيت "لدي حلم" (I have a dream)، شهيد الحرية والكرامة الانسانية المعروف مارتن لوثر كينج، لم يكونا بالقطع عنصريان عندما اختارا النضال في صفوف أبناء جلدتهم المضطهدين السود من قبل العنصريين البيض ومنظماتهم العنصرية السرية مثل منظمة كوكلوس كلان.

وهكذا الأمر دواليك بالنسبة لكل المضطهَدين (بفتح الهاء) في كافة أرجاء المعمورة، بغض النظر عن أجناسهم وألوان بشرتهم ومتعقداتهم، وهو كذلك بطبيعة الحال بالنسبة لكل البحرينيين الأحرار، شيعةً وسنة، الذين لم يرتضوا لأنفسهم ولضمائرهم الحية السكوت طويلا على استمرار نظام الامتيازات الطائفي غير المعلن، الممنوحة بموجبه أفضلياته لطائفة بعينها ومحجوبة في ذات الوقت غن طائفة أخرى، في الوقت الذي تتقاسمان فيه هاتان الطائفتان الكريمتان العيش المتشرك، الأمر الذي يستوجب انهاء هذا النظام الاقصائي الطائفي واشاعة المساواة والعدل بين كافة المواطنين البحرينيين دون تمييز على أساس طائفي أو قبلي أو مذهبي أو عرقي أو غيره.

وعلى ذلك فانه اذا ما أصر نظام الحكم على الاستمرار في ممارسة سياسة الأبارتيد الطائفي (Sectarian Apartheid) المقنَّع، فان أي حديث للسلطة عن استدامة التنمية هو ضرب من الأمنيات ليس الا، ذلك ان انفجارات الغضب والسخط الاجتماعي المكبوت والمحبوس لدى الطائفة الشيعية سيظل يتفجر بين آونة وأخرى كلما وصل تراكمه الكمي لحدوده القصوى، واضعا بذلك حدا الاستدامة المزعومة.

* ناشط حقوقي بحريني.

 

الرابط: http://bmirror.ddns.net/news/17421.html