توافقت المنظمات الدولية والإقليمية غير الحكومية خلال الأعوام الأخيرة على معارضة إصدار أية قوانين إقليمية أو قطرية متشددة تحت ذريعة مكافحة الإرهاب. وتضمنت تقارير هذه المنظمات بأن جميع التجارب تدل على ان الحكومات في الشرق أو الغرب تستغل قضية الإرهاب كغطاء لإصدار التشريعات التي تنتهك حقوق الإنسان وتقيد الحريات كما إنها تتعسف في استخدام هذه القوانين. و أوصت تلك المنظمات في المقابل على أن تكون المرجعية في مكافحة الإرهاب هي اتفاقيات الأمم المتحدة المتعلقة بمكافحة الإرهاب والمنسجمة مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

من هذا المنطلق، فان مركز البحرين لحقوق الإنسان ينظر بقلق بالغ إلى قيام رئيس الوزراء بإحالة مشروع قانون لمكافحة الإرهاب إلى مجلس النواب، في الوقت الذي لا زالت قوانين العهد الماضي المتشددة قيد النفاذ: مثل قانون العقوبات الصادر بالمرسوم بقانون رقم "15" لسنة 1976 وتعديلاته، والمرسوم بقانون رقم "16" لسنة 1976 في شأن المفرقعات والأسلحة والذخائر والمعدل بالمرسوم بقانون رقم "6" لسنة1996.

والمجلس الوطني الذي فرضت عليه الحكومة - وفقا لمراسيم سابقة صادرة عنها - أن ينظر في القانون بشكل مستعجل، ليس من المتوقع ان يتمكن بصلاحياته وتشكيلته الحالية من مخالفة إرادة الحكومة التي يسيطر عليها أفراد من الأسرة الحاكمة، مما سيجعل المجلس هو المسؤول بالوكالة عن إصدار هذا القانون الجائر، وبالتالي فان ذلك سيقوض ما تبقى من ثقة للمواطنين في عملية الإصلاح السياسي الموعود.

ورغم التوضيحات التي صدرت عن السلطة بأن مشروع القانون الذي تقدمت به الحكومة إلى مجلس النواب هو للحد من الإرهاب القادم من الخارج، إلا أن نصوص القانون قد تم صياغتها بما يمكن السلطة من إساءة استخدامها لتقييد الحريات العامة وتخويف من تعتبرهم خصومها وإيقاف نشاطاتهم وتعريضهم إلى عقوبات مبالغ بها.

فقد احتوى مشروع القانون على نصوص تم صياغتها بشكل فضفاض وبعضها ليس لها علاقة بالإرهاب. فمثلا تنص المادة "10" على ان "يعاقب بالحبس وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من استغل الدين أو دور العبادة أو الأماكن العامة أو المناسبات الدينية في بث دعايات مثيرة أو أفكار متطرفة أو رفع لافتات أو وضع رسوم أو ملصقات أو صور أو شعارات أو رموز من شأنها إثارة الفتنة أو التحقير من الأديان السماوية أو رموزها أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي أو اضطراب الأمن أو النظام العام"

ومن ذلك يبرز بشكل واضح بأن القانون قد يستخدم لقمع حركة الاحتجاج السلمي التي بدأت بالتصاعد مؤخرا والتي تطالب بإصلاح العملية الديمقراطية، وتنادي بوضع حلول عاجلة للتدهور المتزايد في الأوضاع المعيشية لأكثر من نصف المواطنين، وتزايد البطالة وأزمة السكن، وفي المقابل انتشار الفساد المالي والإداري وتزايد الغني الفاحش لدى المتنفذين وكبار المسؤولين الحكوميين.

ويتميز مشروع القانون كما في المادة "3" بالزيادة في التشدد على ما جاء في قانون العقوبات الصادر عام 1976، ليمد في عقوبات السجن ويصل بها الى المؤبد ويشدد عقوبة المؤبد الى الإعدام. ويعاقب القانون في المادة "18" على الشروع في الجرائم بذات العقوبة المقررة للجريمة التامة. كما يعاقب وفقا للمادة "19" بالعقوبة المقررة ذاتها كل من حرص على ارتكاب جريمة أو اتفق مع غيره على ارتكابها ولو لم يترتب على فعله أثر. ووفقا للمادة "28" يحرم القانون المتهمين من الأحكام الخاصة بانقضاء الدعوى الجنائية وسقوط العقوبة بمضي المدة المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية.

ومما يزيد من خطورة تلك القوانين والعقوبات ان النيابة العامة والقضاء في البحرين يفتقد الى الكفاءة والنزاهة والاستقلالية عن السلطة التنفيذية التي لايزال يدير أجهزتها ذات الأشخاص الذين كانوا يديرونها في فترة القمع .

وبذلك فليس هناك ضمانات لصحة توجيه الاتهام أو نزاهة التحقيق أوتأمين محاكمة عادلة للمتهمين.

ويشرع القانون انواع جديدة من العقوبات تضاف الى العقوبة الأصلية وتتمثل كما في المادة "24" في جواز الحكم بحظر الإقامة في مكان معين أو في منطقة محددة، والإلزام بالإقامة في مكان معين، وحظر التردد على أماكن أو محال معينة وهي انتهاك لحق التنقل والسكن التي ضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

كما يشرع القانون بشكل صريح لانتهاكات الخصوصية لمجرد الاتهام والشك. فالمادة "32" تعطي للمحامي العام - أو من يقوم مقامه - بأن يأمر بضبط الرسائل بجميع أنواعها والمطبوعات والطرود والبرقيات، وبمراقبة الاتصالات بجميع وسائلها، وتسجيل ما يجري في الأماكن العامة أو الخاصة، متى كان لذلك فائدة في كشف الحقيقة في الجرائم التي تنطبق عليها أحكام هذا القانون.

ووفقا للمادة "29" يعطي القانون بشكل استثنائي للنيابة العامة - بالإضافة إلى الاختصاصات المقررة لها - سلطات قاضي المحكمة الصغرى المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية وسلطة المحكمة الكبرى الجنائية منعقدة في غرفة المشورة المنصوص عليها في المادة "148" منه. وتعطي المادة نفسها للمحامي العام - أو من يقوم مقامه - بأن يصدر أمر الحبس الاحتياطي لمدة تصل إلى تسعين يوما. كما يطلق القانون يد النيابة العامة من القيود المنصوص عليها في المادة "12" من قانون الإجراءات الجنائية والمتعلقة بمباشرة التحقيق وتحريك الدعوى.

كما تشرع المادة "31" لسرية المعلومات المقدمة من المصادر الأمنية الى النيابة العامة والمتعلقة بتمديد مدة القبض حيث لا يجوز البوح بأسماء مقدميها. وتعطي المادة "34" للنائب العام ليس فقط أن يأمر بمنع المتهم من السفر أثناء التحقيق، بل ان يأمر بمنعه من التصرف في أمواله أو إدارتها أو غير ذلك من الإجراءات التحفظية. ويجوز أن يشمل أمر المنع من التصرف أو الإدارة، أموال زوج المتهم وأولاده القصر، إذا ثبت أن هذه الأموال قد آلت إليهم من المتهم.

وبناء على ماتقدم من مخاطر بليغة لهذا القانون على الحريات وحقوق الانسان، فان مركز البحرين لحقوق الانسان يناشد رموز المجتمع ومؤسساته السياسية والحقوقية والاهلية وكذلك الصحافة، بأن تقوم بمسؤوليتها في التصدي لهذا القانون، ليس فقط لانها مسؤولية انسانية ووطنية بل لان جميع قوى التغيير والاصلاح في المجتمع هي هدف محتمل لهذا القانون. وان مركز البحرين لحقوق الانسان لن يكتفي بهذا البيان وانما سيعمل بكل ما يستطيع للتعاون في تنظيم اعمال احتجاج سلمي بما يوجه اشارة واضحة الى السلطة بأن قوى الشعب ومؤسساته التي التي دفعت باتجاه اطلاق الحريات في البحرين هي الكفيلة بحمايتها والدفاع عنها.

مركز البحرين لحقوق الإنسان